الأمير الحسين بن بدر الدين
62
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
والجواب : أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون له قوة شديدة ، والشدة إنما هي الصلابة ، ولا يجوز وصف القوى والأعراض بالشدة والصلابة على الحقيقة . وبعد فالقوى إنما تستعمل في الأجسام ذوات الجوارح والمحتملة للأعراض ، فيقال : فلان ذو قوة ، وإنه لذو قوة شديدة إذا كانت جوارحه متينة مكبّدة « 1 » ، صلبة الأعصاب « 2 » ، غير رخوة ، وكل ذلك ما لا يقولون به ، وعلى أن ظاهر الآية يقتضي أن يكونوا يعلمون أنه أشدّ منهم قوة من حيث علموا أنه خلقهم . فالواجب أن ينظروا ، فإن كان خلقه إياهم يقتضي أنّ له قوة ويدل عليه قضي به ، وإن لم يدل عليه ودل على غيره مما يمكن صرف الآية إليه مما هو مجاز وجب رده إليه . ومعنى ذلك أنه تعالى أقوى منهم ، أي أقدر « 3 » ، وذلك شائع في اللغة العربية ، فإنّ ذلك يجري مجرى قول القائل : فلان أشدّ من فلان بأسا وقوة ، فلا يخطر ببال أحد من أهل اللغة أن هناك معاني ، بها صار أقوى ؛ لأنهم لا يعرفون المعاني التي أثبتها المتكلمون ، وإنما يقصدون به أنه أقدر منه على الأمور وأقوى ، فأراد الإخبار عن كونه قادرا على حدّ لا يساويه قادر في ذلك ، فيجب حمل كلامه على المعنى اللغوي ؛ لأنه نزل على اللغة العربية ، فقال تعالى : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ الشعراء : 195 ] ، فيجب حمله على ذلك دون ما ذكروه من الأعراض .
--> ( 1 ) الكبد - بفتح الكاف والباء : الاستواء والاستقامة . وفي حديث الخندق : « فعرضت كبدة شديدة » بسكون الباء . وهي القطعة الصلبة من الأرض . [ تاج العروس 5 / 1218 ] . ( 2 ) في ( ب ) مؤكدة صلبة الأعضاء وفي هامش ( ب ) مبنية مؤكدة . وفي هامشها أيضا : مكينة قال نسخة . ( 3 ) أنظر الكشاف للزمخشري 4 / 193 .